الحلبي
46
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي الروض ما وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ذلك « فدفعا إليها راحلتيهما ، وواعداه على جبل ثور بعد ثلاث ليال » وقيل للجبل ذلك لأنه على صورة الثور الذي يحرث عليه ، وسياق النسائي يدل على أن استئجار عبد اللّه المذكور كان قبل التجهيز . « قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها : ثم لحق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور » أي ليلا كما تقدم . وعن ابن سعد : « لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بيته إلى بيت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه فكان فيه إلى الليل ، ثم خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه » أي وكان خروجهما من خوخة في ظهر بيت أبي بكر . فعن عائشة بنت قدامة رضي اللّه تعالى عنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل لعنه اللّه فأعمى اللّه بصره عني » وعن أبي بكر « حتى مضينا » . وفي كلام سبط ابن الجوزي : وعن وهب بن منبه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنما خرج إلى الغار من بيت أبي بكر ، فخرج من خوخة في ظهر الدار . والأصح إنما كان خروجه من بيت نفسه . « وجعل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يمشي مرة أمام النبي صلى اللّه عليه وسلم ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله ، فسأله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، فقال : يا رسول اللّه ، أذكر الرصد فأكون أمامك ، وأذكر الطلب فأكون خلفك ، ومرة عن يمينك ، ومرة عن يسارك لا آمن عليك » . أقول : في الدر المنثور « فمشى صلى اللّه عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه لئلا يظهر أثر رجليه على الأرض حتى حفيت رجلاه ، فلما رآهما أبو بكر قد حفيتا حمله على كاهله وجعل يشتدّ به حتى أتى على فم الغار فأنزله » وفي لفظ « لم يصب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغار حتى قطرت قدماه دما » وفي كلام السهيلي عن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : « نظرت إلى قدمي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الغار وقد تقطرتا دما » . قال بعضهم : ويشبه أن يكون ذلك من خشونة الجبل ، وإلا فبعد المكان لا يحتمل ذلك أو لعلهم ضلوا طريق الغار حتى بعدت المسافة ، ويدل عليه قوله : فمشى ليلته رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وفي لفظ فانتهينا « إلى الغار مع الصبح » ولا يحتمل ذلك مشى ليلته إلا بتقدير ذلك ، أو أنه صلى اللّه عليه وسلم كما قيل ذهب إلى جبل حنين فناداه اهبط عني ، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب ، فناداه جبل ثور : إليّ يا رسول اللّه » وساق في الأصل رواية تقتضي أنه ذهب إلى غار ثور راكبا ناقته الجدعاء . ثم رأيته في النور أشار إلى أن ركوبه صلى اللّه عليه وسلم الجدعاء إنما كان بعد خروجه من الغار ، لا أنه